روايات رومانسية: عناق الروح (الجزء الخامس والعشرون)

نعود الى “سلمى” و”جمال” فقد جاء دور قضيتهما ونادى الحاجب على رقمها ، كان الاثنان ينتظران في قاعة المحكمة ترافقهما “سماح” تقدم “جمال” ناحية القاضي وعرض عليه الأوراق ثم ألقى مرافعته القصيرة أمامه ، تفحص القاضي الأوراق وقبل أن يقول شيئا تقدمت “سلمى” تجاهه وطلبت من “جمال” أن يترجم لها حديثها الى القاضي.

قالت “سلمى” : أنا صماء بكماء ولدت هكذا ولم أعترض بل كافحت وتعلمت في احدى الدول الأوروبية وصرت الآن أحمل شهادة تؤهلني لأن أدافع عن حقوق المظلومين ولكن في مصر ليس لشهادتي تلك أى معنى ، لأنه تم تصنيفي على أنني من ذوي الاحتياجات الخاصة ، وهذا لأنني ببساطة أتواصل مع الآخرين بطريقة وبلغة تختلف عن طريقتهم ، ولكن هل اختلاف لغة تواصلي مع الآخرين تحرمني من ممارسة المهنة التي طالما أحببتها، لقد حرمني الله من نعمة الكلام ولكنه لم يحرمني من الذكاء والضمير،

إن موكلتي تعرضت لاهدار إنسانيتها بسبب صممها ، تزوجها أحدهم لينجب ثم طردها وطلقها وجردها من حقها الشرعي في تربية طفلها بين أحضانها بحجة أنها لا تصلح لأنها صماء بكماء  ولن يمكنها تعليمه الحديث، أى منطق هذا ؟! ألا يوجد بدائل أخرى تساعدها على تعليم طفلها الحديث ، فهناك الأقارب والجيران والأب نفسه ، وكان على الأم أن تقوم برعاية طفلها وعندما يكبر سيكون من السهل عليه تعلم لغة الاشارة والتواصل مع والدته والاستفادة من خبرتها ، ولكن طليق موكلتي قد اختار الحل الأسهل وهو اهدار حقوق موكلتي ، لذا أنا اطالب بفرض عقوبة رادعة لكل زوج يعامل زوجته المعاقة بتلك البشاعة فهو عنصري وأوجه له تهمة ممارسة العنصرية ضد موكلتي وأطالب بعودة حق موكلتي في حضانة طفلها والزام طليقها بكل النفقات اللازمة وتوفير مسكن مناسب لها .

انتهت “سلمى” من مرافعتها ، فضجت القاعة بالتصفيق الحار بعدما سمعوا مرافعة “سلمى” المترجمة من لغة الاشارة.دق القاضي بمطرقته لاجبار الحضور على العودة الى الهدوء ، ثم رفع الجلسة للمداولة.وبعد قليل نطق القاضي بالحكم وكان كالآتي: لقد حكمت في قضايا كثيرة تخص النزاع الأسري وكنت أميل الى تأجيل الحكم حتى أعطي فرصة للطرفين للتصالح ولكن في تلك القضية لا يمكنني أن أفعل ذلك ، فهى ليست قضية فردية ولكنها قضية تخص الأمن العام ، سارت همهمة بين الحضور بعد سماع جملة القاضي الأخيرة والذي طرق بمطرقته فعاد الهدوء مرة أخرى يسود القاعة ثم استكمل حديثه وقال: نعم إنها قضية رأى عام فالأمر يتعدى الصلح بين زوج وزوجته بل إنها تصالح فئة مهمة من الشعب المصري مع باقي فئاته فنحن نتعامل معهم على أنهم ذو احتياجات خاصة ومن منا لا يحتاج الى معاملة خاصة ؟ من منا يضمن مستقبله ؟ من منا يضمن أنه لن يتحول فيما بعد الى أحد أفراد تلك الفئة كلنا نحتاج الى رعاية خاصة كل حسب حاجته ، لذا أحكم بما طالبت به المحامية “سلمى” وأرجو أن أراها تترافع في قضايا أخرى وأعدك أنني سأتعلم لغة الاشارة وهذا اعترافا مني بوجوب انتمائك الى نقابة المحاميين وسأسعى شخصيا الى ذلك .

انهمرت دموع “سلمى” عندما ترجم لها “جمال” ما قاله القاضي الذي ابتسم وقال رفعت الجلسة ولكن لم ترفع الانسانية بعد. كانت تلك القضية هى حديث مصر في تلك الفترة وانتبهت الدولة الى أحقية الصم والبكم وغيرهم من دخول الجامعة والحاق أقسام خاصة مناسبة لهم حتى يتم انشاء معاهد ومدارس وجامعات خاصة بهم وتأهيلهم الى سوق العمل وليس فقط تخصيص جزء من أرباح المنشئات الخاصة كمرتبات لتلك الفئة دون العمل وكأنها صدقة فذلك الأسلوب يقتل الانسانية على المدى الطويل في نفوس الأصحاء ويهدر حقوق المساواة بين ذوي الاحتياجات الخاصة وبين الأصحاء بل ألزمت كل المنشئات الخاصة والحكومية على اختلاف نشاطها الاقتصادي أن تقيم دورات تدريبية للجنسين وبلغة الاشارة ويتم دمجهم فعليا بالقيام بأ؟عمال تناسب حالتهم الصحية حتى يتذوقوا طعم النجاح.

كما قدم أعضاء مجلس النواب جميعا طلبا بأن يدرج تعليم لغة الاشارة وبرايل لجميع الطلاب بداية من مرحلة الروضة بالاضافة الى اللغة العربية والانجليزية ، وقد لاقى هذا القانون ترحيبا عند تنفيذه بين أوساط الطلاب والطالبات فقد أظهروا قدرة فائقة في تعلم لغتى الاشترة وبرايل .

أما على الصعيد الآخر فقد تمكن الممثل “أحمد عامر” من خداع واستدراج “شاؤول” بمساعدة المخابرات المصرية واعترافه بكل شىء وتم تسجيل ذلك بالصوت والصورة وهو الآن أنيس ظلام زنزانة صغيرة تابعة للمخابرات العامة حيث تحولت الى مقبرته بعد أن توفي إثر إصابته بأزمة قلبية لم ينتبه اليها الحارس.

وفي الأثناء التي تم فيها القبض على “شاءول” كانت “نادين” تشق طريقها بخطوات ثابتة الى داخل المافيا ، فقدتوصل اليها “روكو” وكاد أن يقتلها لولا تدخل زعيم المافيا المقنع “ديميتري خروشوف” فقد صدم عندما رأى صورة “نادي” فهى تشبه زوجته العربية كثيرا ، وعندما تحرى أمرها وقام بعمل تحليل DNA لها وله ولأمها حيث كان يحتفظ بخصلة من شعر والدتها قبل هروبها مع صورتهما معا ، قد تبين أنها ابنته، وهذا الذي لم يقع في حسبان المخابرات المصرية ، ولكن “نادين” استنكرت أن يكون أباها هو ذلك المجرم الذي كان خلف أسرها وتحولها الى تلك الحياة البائسة ، رفضته لدرجة أنها حاولت قتله لولا تدخل جهازى المخبارات المصرية والانتربول الدولي الذي كان يتعاول مع المخابرات المصرية للقضاء على تلك المافيا.

تم القبض على “ديمتري” وتساقطت أذرع المافيا في وقت واحد حيث تمكن الانتربول من ملاحقتها من خلال الوصول لغرفة المراقبة التي شيدها “ديمتري” وتم ملاحقة المرتزقة أيضا وذلك خلال أشهر قليلة، كان فيها “أحمد” عامر يقوم بتمثيل احد أدواره الهامة التي جسد فيها شخصية النقيب “عاصم” حيث تم تأليف فيلما حول المايفا وخطف النساء ويكشف تفاصيل أخرى لكن دون افشاء للأسرار وفي العرض الأول وبعد عرض الفيلم صفق الحضور تصفيقا حارا ، أشعل الفرح في قلبه للمرة الأولى بعد فراقه لخطيبته وبعد فشل علاقته الغريبة بسلمى التي تزوجت “جمال” حيث اكتشفت أن روحها كانت تعانق روح “جمال” طول الوقت ولكن وعيها المشغول بأحمد عامر حجب رؤيتها لعناق الروح مع “جمال”.

وبعد أن انتهى تصفيق الحضور تناهى الى مسامع “أحمد” والحضور تصفيقا منفردا كأنه عزف منفرد لآلة الكمان التفت “أحمد” الى صاحب التصفيق ، لم يتمالك نفسه فكانت هى ، لم تمت ! كيف هذا؟ إنها  “ليلى ” الصحفية صديقة طفولته لمعت عينا “أحمد” من الفرحة ثم اغرورقت بالدموع فهرع اليها واحتضنها بقوة ثم صاح ولم ينتبه للحضور وقال: رباه أنت قيد الحياة؟ الحمد لله ثم طبع قبلة حانية على يديها ثم أمسك كتفيها بكل قوة وقال بتصميم: لن أتركك تضيعي من يدى سنتزوج الآن.

رفعت “ليلى “حاجبيها دهشة وقالت: الآن ! وانهالت فلاش الكاميرات تحاصرهما وشقا طريقهما بصعوبة حتى وصلا لخارج صالة العرض ثم استقلا سيارته حتى وصلا الى مكتب المأذون ، وهناك تفاجأ بابن عمه “شريف” الذي كان بصحبة “نادين” ليتزوجها رغما عن أنف الجميع فهى الوحيدة من عانقت روحه رغم كل شىء.

وفي النهاية يبقى عناق الروح ملاذا لكل المحبين عندما يفرقهم الموت أو الحياة.

تمت

شاهدي أيضا

نصائح هامة تهم بنتي الجميلة