مشيت في المَشرحة كُنت بتَمم على الجُثث في التلاجات قَبل ما أخرج, علشان أكتب تَقرير عَن عَددهم وأسلمه لإدارة المستشفى , كان في أربع جُثث كل واحدة فيهم جَت في وقت مُختلف , وكُل واحدة منهم بيكون ليها طَبع وصفة, طريقة وهيئة, أبسط مثال “.

الجُثة الأولى أنا فاكرها كويس كان شاب جامعي بيعوم في النيل وغرق, فاكر شَكله لحد النهاردة لما جابوه في عربية الإسعاف, كان مبرق وفاتح عيونه وجسمه كُله أزرق, ولحد النهاردة منعرفش مين أهله وأهو قاعد مستني يمكن حَد يفتكره, أو يسأل عَليه, مبسمعش منه أصوات نهائي, يمكن بسمع في ودني صوت ماية أو بَحر غير كده لا “.

أما الجُثة التانية لبنت أتحرقت في شقتها ومعرفتش تهرب, جَت من يومين وجثتها هتتسلم بُكره, جسمها مكانش فيه مَنطقة واحدة سليمة, كله كان سواد والجِلد أتحول لطَبقة رقيقة وخفيفة , وأنا بشرحها حَقيقي كُنت مُتعاطف جداً معاها, لأن موتتها من أصعب ما يُمكن , أوقات بسمعها بتُصرُخ وبتقول إلحقوني النار بتاكُل في جسمي , بحاول مَركزش معاها, وشوية وبتسكُت “.

الجُثة التالتة دي لأم كانت عايشة وحدها في بيتها وولادها مسافرين بَره مَصر, وماتت بسكتة قَلبية والجيران عرفوا لما ريحة تعفُنها وصلتلهم, ولحد دلوقتي مَحدش من قرايبها أو ولادها رضي يستلمها. أوقات كتير بكون معدي من جَنب المشرحة, وبسمع صوتها وهي بتعيط, وهي بتتكلم وبتنده, وهي بتأن وبتطلب حَد يدفنها, لو سألتوني بحس بأيه ؟, حقيقي بتعاطف معاها, كونها ربت وتعبت وفي الأخر متتقدرتش دي من أصعب المواقف في الحياة “.

والجثة الأخيرة, دي جننتني بجَد, إزاي ؟ على طول بسمعها بتتحرك جوه التلاجه, بتخبط, بتتكلم وأوقات كتير بتُصرُخ, بخاف منها وبحاول أهرب وأسد وداني لكن صوتها بيكون محاوطني في كُل مكان, ماتت إزاي ؟ لقوها على الطَريق السَريع كانت مدبوحة ومَرمية في الأرض, وفي الأغلب تعَرضت لحادثة سرقة, بس للأسف مقدرناش نوصل لعيلتها لأن وشها كان متشوه وملامحه مش باينة ومش معاها أي إثبات للشخصية “.

باب المُشرحة أتفتح وأنا براجع شريط الذاكرة في دماغي ودخَل عليا دكتور تاني مسئول معايا هنا, تَمم ورايا على الجُثث وبَص على التَقرير اللي في إيدي , بعدها بصلي فيما معناه أنا هَمشي. شاورتله, وقعدت أكمل “.

خَلصت بعد ساعة وجيت بخرُج بس سمعت صوت تلاجة من التلاجات بتتفتح وفي صوت رجلين بتنزل على الأرض, والموضوع أتكرر لحد ما كُل التلاجات أتفتحت بَصيت ورايا في هدوء وللأسف النور كان بدأ يضعَف, لاقيت أربعة واقفين وبيبصولي بخوف. بسُرعة مسكت الباب أحاول أفتحه بس للأسف رَفض ينفذ أوامري “.

أتشديت بطَريقة غريبة لجوه وكنت واقف قُصادهم وشايف على الإضاءة الخَفيفة ملامحهم, الغرقان, المَحروقة, الأم, المدبوحة, قَلبي ضرباته زادت وكنت على وشك فقداني وعيي, وكنت سامعهم بيتكلموا بس صوتهم كان جوا ودني “.

تدريجيًا الرؤية انعدمت وغرقنا كُلنا في الضَلمة, كانوا بيلفوا حواليا, وبيلمسوا جسمي, خوفي بدل ما زاد بدأ يقل, إزاي ؟ حَقيقي مش عارف, بس يمكن لأني بدأت أفقد الوعي, وقعت على الأرض, إيد شدتني ودخلتني جوه حاجة ليها باب والجو فيها بارد أوي, بالظبط حطوني جوه تلاجة, جسمي عاجز عَن الحَركة وعيوني رافضة تفَتح, وقَبل ما يقفلوا عَليا الباب, سمعت حَد منهم بيقولي, دكتور نام وبكره كُل حاجة هتبان في النور. كلامهم ليه مفعول سحري, مقدرتش أقاوم ونِمت “.

صحيت على صوت واحد بيفتح باب المُشرحة وبيدخل, الجَو كان بارد جداً, لساني عاجز عَن النُطق عايز أصرخ وأقوله يطلعني من هنا, بس مَكنتش قادر, حاولت أقوم كذا مَرة, بس في حاجة غَريبة ربطاني “.

عدا وَقت طويل, وبدأت أيقن إني خلاص جسمي هيتجمد ومافيش أمل أعيش فعلاً, أعراض الموت ظَهرت عَليا, وأطرافي وكُل رُكن فيا بقى ثابت “.

شوية تانين, باب التلاجة بتاعتي أتفتح, ولاقيت دكتور زميلي عارفة كويس, شدني وحطيني على ترابيزة التَشريح, عايز أتحرك أو أصدر أي تَعبير لكني عاجز, إيه اللي بيحصل ؟ حَقيقي مش فاهم. معقولة هو مش واخد باله أنا مين ؟ ومش شايف عيني المفتوحة ؟؟, معقولة مش مركز ؟؟, حَط جنبي مجموعة من أدوات التَشريح, وجاب مَشرط طويل شوية, حاطة على بَطني, وبدأ يفتحها تدريجيًا, والأغرب من ده أني محستش بألم “.

ثواني وبدأ الدكتور ده يتكلم وهو بيفتح بطني, وقال وعيونه مليانة حَزن: ربنا يرحمك يا دكتور حسين, أكيد روحك الطاهرة دلوقتي في مكان أفضل بكتير من هنا, مكان مفهوش خوف ولا قَلق ولا مَرض ولا تَعب, مكان متبقاش فيه مُعرض للخَطر في أي وقت ممكن حَد يطلع عَليك ويموتك علشان يسرقك زي ما حصل كانت سُلفة مهَببة كُنت عايز تاخدها علشان تعالج والدك, أهي هي اللي أخدتك “.

الكلام ده حَقيقي ؟ يعني أنا جُثة ؟ أنا مَيت فعلاً ؟ مش مُمكن أكيد في مُشكلة حَصلت, وبعدين مين اللي موتوني علشان يسرقوني وأنا أصلاً ظروفي المادية عَلى قَدي, يعني لا معايا فلوس تتسرق ولا حاجة مُهمة خالص. الدكتور كَمل تَشريح, وفجأة لاقيت إيد بتهزني وبتقولي:

– دكتور حسين أنت مركز معايا ؟
فوقت لاقيت الدكتور زميلي بيكلمني وبيقولي
-أنت شَكلك تعبان خالص, بص ريح أنت النهاردة وأنا هَشيل مكانك.
وقتها أدركت إني بَحلم, استأذنت منه لتعبي الشديد, وقَبل ما أخرُج من الباب قالي
-صَحيح نسيت أقولك, متنساش تَعدي عَلى مَكتب المُدير تاخد السُلفة اللي طلبتها, وربنا يشفيلك والدك.
افتكرت الكلام اللي سمعته وأنا فوق ترابيزة التَشريح, أو بمعنى أدق وأنا بَحلم, ويومها أخدت السُلفة فعلاً, بس استنيت لحد الصُبح وبعدها مشيت بدل بَليل علشان ميحصليش كارثة .

شاهد ايضا:

قصص رعب: البينج !