روحت زيارة لقرايبي في الريف بمحافظة جمبنا , حبيت أقضي عندهم أجازة الصيف المُمِلة  جدا, سافرت بالقطار , ووصلت عندهم على الفجر تقريبًا. وقبل أي حاجة طلبت منهم نعمل مُغامرة مُرعبة جدا , وهي إننا نروح نصطاد , إيه الغريب في كده ؟ لأن البُحيرة اللي هنروحها غامضة شوية , وكمان حصلت عندها جرايم كتير بس مش مهم , إحنا تلاتة ونقدر نحمي نفسنا “.

جَهزنا الصنانير بتاعتنا والطُعم اللي هنصطاد بيه , ومشينا لحد البُحيرة اللي كانت كبيرة أوي وحواليها مافيش بيوت , الهدوء كان مسيطر على كُل حاجة. وقفنا عند أول البحُيرة وبدأ كُل واحد يحط الطعم في صنارته ويرميها. عدا الوقت ومحدش طلع سمك , لحد ما ابن خالتي الكبير ( هيثم ) اصطاد سمكة كبيرة , وده شجعني فسحبت صنارتي حطيت فيها طُعم أكبر ورميتها . دقيقة فالتانيه والصنارة شبكت في حاجة تقيلة ! , سحبتها بقوة , ولادي خالتي لاحظوا وكانوا مستنين هطلع إيه “.

الصنارة كانت رافضة تطلع , فساعدوني وفضلنا نشد , لحد ما طلعنا حاجة غريبة صدمتنا كُلنا , كانت عبارة عن تيشيرت لطفل صغير وجواه قطعت لحمة كبيرة… وده مكنش ليه غير معنى واحد إننا كنا هنطلع جُثة طِفل… بحركة لا إرادية مسكته ورميته .وقُمت وولاد خالتي ورايا , مشينا وإحنا ساكتين مش قادرين نتكلم بعد اللي شوفناه “.

روحت نمت على طول وأنا مهموم , وصحيت على صوت حد بيصرخ جنب ودني , قمت مفزوع , ولما ركزت في مصدر الصوت لاقيته خارج من الدولاب , روحت ناحيته وأنا بترعش , ومديت إيدي بهدوء علشان أفتحه , قلبي شبه وقف عن النَبض , بس فتحته وملقتش حاجة… قفلته ولفيت ناحية الباب وعيني كانت هتنفجر لما لاقيت في الأرض التيشيرت بقطعة اللحم !! .

مسكته ولاقيت إيدي بقى كُلها دَم , صوت الصراخ رجع قوي تاني , والنور قطع , الصراخ زاد ومعاه كُنت سامع صوت طِفل بيلف حواليا وعمال يضحك وبيخبط في رجلي , ومع كل خَبطة بحس بكهرباء شديدة فيها… جسمي كان بيتهز وفيه صوت حد بينده عليا , فتحت عيني لاقيت ابن خالتي بيقولي:

اصحى بقى أنت هتفضل نايم لحد الظُهر كده , يلا الفطار جاهز.

سابني وخرج , وفهمت إني كنت بحلم , ولاقيت نفسي على السرير , و سمعت واحدة بتعيط بصوت عالي , خرجت وبصيت , لاقيت ست بسيطة قاعدة في الأرض وبتحط التراب على راسها… وبتقول جُمل كتير , فندهت على ابن خالتي سألته
فقالي: سيبك منها “.

فطرنا سوا , بس صوت الست دي مسابش ودني , علشان كده أتسحبت منهم وروحتلها ، لبسها كان كُله متوسخ , وباين عليها التعب!

-سألتها مالك يا أمي ؟

بصيتلي بعيون حمراء

وقالتلي:ابني , ابني بقاله أسبوع مرجعش البيت

قولتلها: طيب مش يمكن راح لقرايبه ؟

قامت بعصبية شديدة وقالتلي بصوت عالي

قرايبه ؟ محدش منهم بيسأل فينا من وقت ما أبوه مات ولا حد بيساعدنا

قولتلها: طيب أهدي وإن شاء الله هيرجع

لكن ردها صدمني:

-مش هيرجع , أنا متأكدة إنه مش هيرجع , لأنه غِرق في البُحيرة , راح يعوم ومرجعش , يارتني كنت منعته , ضربته , حرمته , بس مكنتش سيبته.

رمت نفسها في الأرض تاني وفضلت تضرب وشها وراسها وجسمها وترمي عليهم تُراب , الناس حواليها كانوا بيمشوا جنبها عادي من غير ما حد يساعدها , وفجأة لاقيتها مسكت في رجلي وبتشدني , ولاقيت إيد حد مسكتني من ظهري , بصيت فلاقيت ابن خالتي شدني وطلعنا البيت… طبعًا حصلت خناقة بينا وطلب مني فيها مخرجش ولا أتعامل مع حد إلا لما يكون عارف علشان متحصليش مشكلة… عديت علشان أحاول أتبسط بالأجازة وشيلت من دماغي كل العك اللي حصل “.

قضينا يومها وقت لذيذ وسهرنا على السطح , وتاني يوم صحينا على صوت عربية إسعاف , الفضول دفعني ونزلت جاري , فلاقيت المُسعفين شايلين جُثة جوه كيس أسود ، ولما سألت عرفت إنها الست اللي أتكلمت معاها أمبارح “.

طلعت البيت وأنا حزين جداً , حاسس إني قصرت علشان مقولتش على موضوع التيشيرت ده , وفضلت طول اليوم ساكت ومش قادر أعمل حاجة… لحد ما لاقيت ابن خالتي بيقولي:

-أنت زعلان عليها ليه ؟

مردتش عليه , فكمل كلامه. -على فكرة في حاجة لازم تكون عارفها , الست دي ابنها مغرقش زي ما قالتلك
قولتله: بمعنى ؟

قالي: كُل القصة إن ظروفهم كانت صعبة , ومعندهمش حد يساعدهم , وأهلهم استغنوا عنهم , وابنها مستحملش لأنه كان صُغير وبنسبة كبيرة مات من قلة الأكل , وهي خافت لتتسجن وتتبهدل أكتر , فقررت ترميه في البُحيرة

قولتله: إزاي ؟ وعرفت منين ؟

قالي: أنا كُنت بساعدها وخايف عليها , ومن وقت للتاني لما كان بيبقى معايا فلوس كنت بديها , ويوم لما رمت ابنها بليل في البُحيرة أنا كنت ماشي وراها وخايف عليها لترمي نفسها وتنتحر , بس لاقيتها شايلة ابنها ومكنش بيتحرك وقاطع النفس تمامًا , هنا الشك نبهني ومشيت وراها وشوفت اللي حصل بعيني…فبعد إزنك إحنا مش عايزين ندخُل في مشاكل كبيرة , كأنك مسمعتش حاجة مني وملكش دعوة بحد هنا خالص “.

بعد كلام ابن خالتي , عرفت حاجة مُهمة أوي مكنتش مقتنع بيها , إن الحقيقة دايمًا مُتغيرة ومش كاملة , وبطلت أنجرف ورا أي حاجة ممكن تسببلي مشاكل… خلصت أجازتي , وجهزت حاجتي على الفجر علشان القَطر وكانوا كلهم نايمين , جيت أدخل الحمام , فلاقيت الباب مقفول وفي حد بيعيط جوه , قربت ودني وسمعت , كان صوت ابن خالتي الكبير بيكلم نفسه وبيقول:

-أنا السبب , حبيت أفرحه وأخده يعوم معايا بس المَد كان قوي وفيه حاجة غريبة بتسحبني من تحت , قدرت أطلع يومها بس هو

مقدرش , مش هينفع أعيش , أنا قتلت شخصين , لازم أخلص من نفسي.

من الأفضل إني أمشي كأني معرفتش حاجة.. ولا سمعت.. ومتنسوش تدوروا ورا كُل الحقايق في حياتكم.

شاهد ايضا:

شقة 6