قصص قبل النوم : بياض الثلج (الجزء الاول)

في يوم من أيام الشتاء الباردة، حيث كانت ندفات الثلج الأبيض تتساقط من الغيوم كأنها ريش حمامٍ أبيض، جلست إحدى الملكات الجميلات إلى نافذة قصرها، مستمتعة بالمنظر الجميل، ومسليّة نفسها بخياطة بعض قطع القماش الحرير. ولمّا ركزت النظر إلى الثلج نسيت أن الإبرة في يدها، وأخرجت يديها من النافذة لتلمس الثلج، فوخزت إصبعها بالابرة، وسقطت قطرات الدم منه على الثلج الابيض. ولما رأت الملكة حمرة الدم فوق بياض الثلج، سُرّت نفسها من ذلك المشهد، وصلّت أن ترزق طفلةً بيضاء كالثلج الابيض، وأن تكون لها شفتان حمراوان كحمرة الدم السائل، وشعراً أسود كسواد خشب الأبنوس الذي كان إطار نافذتها مصنوعاً منه. لم يمض وقت طويل على ذلك الموقف، حتّى تم استجابة صلاتها، وأنجبت طفلةً بالصفات نفسها التي تمنّتها سابقا، ولكن الملكة تُوفّيت بعد ولادة الطفلة مباشرةً.

وبعد عامٍ من وفاة الملكة تزوّج الملك مرّةً أخرى من امرأةٍ فاتنة الجمال ولكنها كانت متكبّرةً ومتعجرفةً وحسودةً  لدرجة أنّها كانت لا تُطيق أن ترى امرأةً أخرى جميلةً غيرها. وكانت لهذه الملكة الجديدة مرآةٌ سحريّة عجيبة، تقف أمامها كل يومٍ محدّقةً بها، وتسألها: “يا مرآتي يا مرآتي، أخبريني، من هي أجمل امرأةٍ في العالم؟” وكانت تأتي الإجابة من المرآة دائماً: “أنت الأجمل بين النساء على الإطلاق سيدتي”، وكان هذا الحوار اليومي يُشعر الملكة بالرضا والراحة عن نفسها، فهي تعلم جيّداً أن المرآة لا يمكن أن تكذب عليها.

بقي الحال كذلك حتى جاء يومٌ وقفت فيه الملكة كعادتها أمام مرآتها السحرية وسألتها: من هي أجمل امرأةٍ في هذه الدنيا؟ ولكن هذه المرّة أجابت المرآة قائلةً: أنت جميلةٌ جدّاً أيتها الملكة، ولكن بياض الثلج صارت أجمل. انزعجت الملكة من إجابة المرآة، ومنذ تلك اللحظة لم تتوقّف عن كراهية بياض الثلج لحظةً واحدةً. فكراهية الملكة المتزايد لبياض الثلج قادها  أن تطلب من أحد الصيّادين أن يأخذ بياض الثلج إلى الغابة ويقتلها بسكينه بين الأحراش البعيدة، وطلبت منه أن ينتزع قلب بياض الثلج من صدرها ويحضره لها كدليلٍ على أنه قام بقتلها فتعطيه مكافأةً، وبالفعل تناول الصياد سكينه وأخذ بياض الثلج إلى الغابة الموجودة خلف الجبال ليقتلها.

وعندما وصل الصياد الشرير إلى المكان المنشود في الغابة، بدأت بياض الثلج بالبكاء الشديد له، وتوسّلت إليه بأن يتركها في الغابة بدلاً من أن يقتلها، ووعدته أنها لن ترجع إلى القصر أبدا. وقد تأثر الصياد ببكاء بياض الثلج، خاصة وهي الفتاة الجميلة اللّطيفة، فرقّ قلبه لها ووضع السكين جانباً مطلقاً سراحها في الغابة، ثم اصطاد غزالاً بريّاً، وأخذ قلبه، وعاد راجعاً به إلى قصر الملكة الشرّيرة، وأراها القلب وأخبرها أنه قلب بياض الثلج، فحصل منها على مكافأته .

وجدت الصغيرة المسكينة بياض الثلج نفسها وحيدةً في الغابة، وكانت خائفةً من الأشجار الكثيفة العالية، كما هابت هجوم الحيوانات المفترسة عليها بعد ذلك، ولم يكن منها إلا أن بدأت بالجرى فوق الحصى الحاد والصخور المدبّبة، وبين الغصون والأشواك الكثيفة، كما أن حيوانات بريّة أخذت تقفز حولها من هنا وهناك ولكن من غير أن تؤذيها، فأطلقت بياض الثلج ساقيها للريح تركض بأسرع ما تستطيع، وبقيت هكذا إلى أن اقترب حلول الليل، وحينها رأت بياض الثلج كوخاً صغيراً، فقرّرت أن تدخله لتأخذ قسطاً من الراحة وتنام.

سرعان ما لفت انتباه بياض الثلج الحجم الصغير لكل شيءٍ في ذلك الكوخ، فالملاعق والكؤوس والأواني والأثاث كلّها كانت صغيرة الحجم ، وفي الوقت نفسه كانت مرتّبةً ونظيفًة جدا. وعلى الطاولة في المطبخ وُضعت سبعة أطباق، على كل طبق منها ملعقةٌ صغيرةٌ وسكينٌ وشوكةٌ، بالإضافة إلى سبعة أكوابٍ صغيرة؛ كل كوب منها وضع بشكل مرتّب إلى جانب طبق. وفي الجهة المقابلة للمطبخ، كانت هناك سبعة أسرّةٍ صغيرةٍ تصطفّ إلى جانب الحائط مغطّاةٌ بشراشف ناصعة البياض وهى صغيرة أيضا.

كانت بياض الثلج في تلك اللحظة كانت جائعة  فلم تقاوم منظر ورائحة الخبز والخضار التي في الأطباق، فأكلت منها قليلاً، وشربت عصير العنب؛ رشفةً من كل كوب صغير، ثم ألقت بنفسها على السرير الذي ناسبها من الأسرّة السبعة، وغطّت في نوم عميق عندما دخل الليل وحلّ الظلام، عاد أاصحاب الكوخ إلى منزلهم؛ كانوا سبعة أقزام يعملون في التنقيب عن المعادن الغالية والأحجار الكريمة في الجبال المحيطة بكوخهم. وفور دخولهم إلى الكوخ الصغير أشعل كل واحدٍ منهم شمعةً، فأصبح الكوخ مضاءً مما جعلهم ينتبهون إلى أن أحداً ما قد دخل كوخهم، فالأشياء ليست بالترتيب المعتاد الذين يعرفونه جيداً،

فأخذوا يتساءلون فقال القزم الأوّل: من الذي كان يجلس على كرسيّي هنا؟ قال القزم الثاني: من الذي كان أكل من طبقي؟ قال القزم الثالث: من الذي أخذ بعضاً من خبزي اللذيذ؟ قال القزم الرابع: من الذي أكل من خضرواتي المحببة؟ قال القزم الخامس: من الذي استخدم شوكتي الصغيرة؟ قال القزم السادس: ومن الذي استخدم سكّيني؟ قال القزم السابع: من الذي شرب من كوبي عصيري؟ لم تستفق بياض الثلج من النوم على الرغم من الازعاج التي أحدثها دخول الأقزام إلى المنزل لشدّة إرهاقها، وبعد أن لاحظ الأقزام أن أحد الأسرّة فراشه ليس مرتّباً، وفيه تجويف يؤكد بوجود أحد فيه،

انتبه أحد الاقزام إلى بياض الثلج التي كانت نائمة في ذلك السرير، ونادى الآخرين لينظروا إلى هذه الطفلة التي ما إن اقتربوا منها بشمعاتهم المضيئة، حتى بانت بياض الثلج تحت الضوء الساقط من الشمعات بجمالها الفتّان الاخاذ. وتنهّد الأقزام السبعة جميعهم مأخوذين بجمال هذه الطفلة اللطيفة الجميلة، وحرصوا على ألا يوقظوها من نومها، فتركوها على السرير حتى الصباح، ونام القزم الذي أخذت بياض الثلج مكانه بجوار أصدقائه.

 عندما استفاقت بياض الثلج في الصباح بكسل، فزعت لرؤية الأقزام السبعة ينظرون بها، إلّا أن اللطف الذي أظهره كل واحد منهم عند الحديث معها جعلها تطمئن منهم. وأخذ الأقزام يطرحون الأسئلة الكثيرةعلى بياض الثلج؛ ما اسمك، ومن أين جئت؟ وما الذي جاء بك إلى هنا ،وما هي قصتك؟ أجابتهم بياض الثلج عن أسئلتهم، وأخبرتهم بقصة المؤسفة زوجة أبيها الشرّيرة، وكيف طلبت من الصيّاد أن يأخذها إلى الغابة ويقتلها، إلى آخر القصّة . 

عندما انتهت بياض الثلج من سرد قصّتها على الأقزام السبعة، قدّموا لها عرضاً وجدته بياض الثلج لطيفاً ؛ فقد عرضوا عليها أن تبقى معهم في الكوخ الذي يسكنون فيه، وأن يقدموا لها الطعام والشراب والدفء وكل شىء، مقابل أن تعتني هي بالمنزل وبتنظيفه وترتيبه وكل شىء، وأن تطهو لهم الطعام، وتحيك لهم ملابسهم الصغيرة، وترتّب أسرّتهم، وقد قبلت بياض الثلج عرض الأقزام بكل سعادة ،فخرج الأقزام إلى الجبل للتنقيب عن المعادن النفيسة كعادتهم، وعندما عادوا في المساء وجدوا العشاء جاهزاً وساخناً . وبعد العشاء توجّه أحد الأقزام إلى بياض الثلج  قائلاً:يجب أن تأخذي حذرك ولا تسمح بدخول أحدٍ إلى الكوخ؛ فزوجة أبيك عاجلاً أم آجلاً ستعلم بمكانك وستعلم أنك لم تموت، وستأتي إليك كي تقتلك بنفسها.

*الى اللقاء مع الجزء الثاني من قصة بياض الثلج*

المصدر

شاهدي أيضا

قصص رعب : (حكاوي جدتي) وجدان